الشيخ عبد الغني النابلسي
44
كتاب الوجود
يفهمه كل واحد ويعتقد أنه وصف للأشياء وهم غالب على من تصوره في عقله ، فإنه يتصور معنى من المعاني قائما بالوجود الحق الذي نذكره نحن ، ثم يتوهم أن ذلك المعنى الذي ذكره انتشر في جميع الحوادث وصار وصفا للحوادث ، وليس الأمر كذلك ، فإنه ليس هناك غير الوجود الحق والصور التي تسمى مخلوقات لذلك الوجود الحق ، وهي كلها قائمة بذلك الوجود الحق ، لا مقوم لها غيره ، ولم نسمع أن شيئا من الحوادث يكون قيوما على شيء من الحوادث أصلا ، لا ورد ذلك في كتاب ولا سنة « 1 » ، ولا قال به أحد من الأئمة المهتدين ، وإنما الحي القيوم على كل شيء هو اللّه - سبحانه وتعالى - وحده لا شريك له ، وهو الذي نعنيه بالوجود ، واللّه على كل شئ شهيد . وصل : اعلم أنك إذا أردت تهوين الأمر عليك فقد انحصرت الموجودات العقلية والموجدات الحسية كلها فيما يدرك بالعقل وما يدرك بالحواس ، والكل مخلوق حادث لمشاهدة تغيره وتبدله في العقل وفي الحس ، والمتغير والمتبدل مخلوق حادث من غير شبهة . وأما الخالق الحق القديم - سبحانه وتعالى - فهو خارج عن قسم المعقولات وعن قسم المحسوسات كلها ، وهو غيب عن جميع ذلك ، ولا مشابهة بينة وبين شيء من ذلك أصلا ، ولا بوجه من الوجوه ؛ وإنما معرفتنا به لضرورة إسلامنا له ، وإيماننا به ، وانقيادنا « 2 » إليه ، واقعة على تجليه وظهوره بما تجلى به وظهر به لنا من صورة كل معقول ، وصورة كل محسوس ، من غير فرق في هذا المقام بين التجلي بصورة والتجلي بصورة أخرى .
--> ( 1 ) كل شخص يحاول وضعها ( قضية الوجود ) موضع البحث إنما هو شخص في إيمانه دخل ، وفي دينه انحراف ، فما خفى اللّه قط حتى يحتاج إلى أن يثبته البشر ، تعالى اللّه عن ذلك علوّا كبيرا . [ الشيخ عبد الحليم محمود ، لطائف المنن ( 53 ) ] . ( 2 ) جاء الإسلام تطهيرا كاملا للعقيدة ، وتزكية تامة للإيمان ، وأعلن - بمجرد التسمية ( الإسلام ) - الحرب على التدخل البشرى في دين اللّه ورسالته ، فما جاء الإسلام إلا للاستسلام المطلق للّه - سبحانه وتعالى - إنه الاسترسال مع اللّه على ما يرضيه ، وهل للإنسان غير هذا بالنسبة للّه ؟ وهل للمؤمن أن يتصرف تصرفا آخر ؟ وهل إذا تصرف تصرفا آخر سمى مؤمنا ؟ إن الاسترسال مع اللّه على ما يجب هو الإسلام ، وهو الدين لا دين غيره ؛ لقوله تعالى : إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ . [ هامش لطائف المنن ( 54 ) ] .